ابن الجوزي
136
أخبار الظراف والمتماجنين
قال ابن الأعرابي : أسرت طيء رجلا شابا من العرب فقدم عليه أبوه وعمه ليفدياه فاشتطوا عليهما في الفداء وبذلا ما لم يرضوا . فقال أبوه : لا والذي جعل الفرقدين « 1 » يصبحان ويمسيان على جبلي طيء « 2 » لا أزيدكم على ما أعطيتكم . ثم انصرفا ، فقال الأب للعم : لقد ألقيت إلى ابني كلمة إن كان فيه خير لينجون ، فما لبث أن نجا ، وطرد قطعة من إبلهم كأنه قال لهم : الزم الفرقدين على جبلي طي فإنهما طالعان عليه ولا يغيبان عنه . قال عيسى بن عمر « 3 » : ولي أعرابي البحرين فجمع يهودها فقال : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالوا : نحن قتلناه وصلبناه . قال : فو اللّه لا تخرجون حتى تؤدوا ديته فأخذها منهم . وولي أعرابي تبالة « 4 » فصعد المنبر فقال : إن الأمير ولاني : بلدكم وإني واللّه ما أعرف من الحق موضع سوطي ، ولا أؤتى بظالم ولا مظلوم إلّا أوجعتهما ضربا فكانوا يتعاطون الحق بينهم ، ولا يترافعون إليه . قال نصر بن سيّار « 5 » : قلت لأعرابي : هل اتخمت قط ؟ فقال : أما من طعامك ، وطعام أبيك فلا . فيقال : إن نصرا حم من هذا الجواب أياما .
--> ( 1 ) الفرقدان : نجمان في السماء يهتدى بهما . ( 2 ) جبلا طيء هما : أجأ وسلمى . ( 3 ) عيسى بن عمر : هو أبو سليمان ، من أئمة اللغة ، وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء وأول من هذب النحو ورتبه . على طريقته مشى سيبويه وأشباهه . توفي سنة 149 ه . ( راجع ترجمته في وفيات الأعيان 1 : 393 ؛ وإرشاد الأريب 6 : 100 ؛ وخزانة الأدب للبغدادي 1 : 56 ؛ ونزهة الألبا : 25 ؛ وصبح الأعشى 2 : 232 ؛ وطبقات النحويين : 35 - 41 ؛ والأعلام 5 : 106 ) . ( 4 ) تبالة : موضع ببلاد اليمن . قال صاحب معجم البلدان : وأظنّها غير تبالة الحجاج بن يوسف التي في أرض تهامة . ( راجع معجم البلدان 2 : 9 ) . ( 5 ) نصر بن سيّار : أمير ، من الدهاة الشجعان . كان شيخ مضر بخراسان ووالي بلخ ثم ولّي إمرة خراسان سنة 120 ه . قويت الدعوة العباسية في أيامه وهو صاحب الأبيات التي أولها : أرى خلل الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام توفي سنة 131 ه . -